في عام ٢٠١٩، كنت في ملبورن، أنهي زمالة الصحة العقلية الوقائية في جامعة Monash. كنت أعمل على بحث في فعالية التدخلات النفسية لاكتئاب ما بعد الولادة. أقضي يومي بين مكتبة الجامعة، اجتماعات مع المشرفين، وقاعات المحاضرات. كنت سعيداً.
في تلك السنة، اتصل بي صديق من السعودية. عرض عليّ المشاركة في فرصة عقارية صغيرة. لم أكن أعرف شيئاً عن العقار. ضحكت وقلت له: "أنا طبيب وباحث، ليش تتصل فيّ؟" قال جملة لم أفهمها وقتها: "لأنك تفكّر بطريقة مختلفة."
دخلت الصفقة بمبلغ متواضع، وبدون توقعات. خرجت منها بعد ١٤ شهراً بربح جيد، وبشيء آخر لم أحتسبه: اكتشفت أن جزءاً من شخصيتي لم أعرفه من قبل.
الجزء الذي لم أعرفه
كنت أظن أن متعتي الوحيدة في الحياة هي البحث العلمي. أن أجلس مع ورقة بيضاء، أقرأ بحثاً، أحلّل بيانات، أكتب فرضية. هذا ما تربّيت عليه أكاديمياً، وهذا ما كنت أعتقد أنه هويتي.
اكتشفت في تلك الصفقة شيئاً مختلفاً: المتعة نفسها — متعة التحليل والتفكيك وربط الخيوط — موجودة في التطوير العقاري، لكن بسرعة مختلفة وبضغط مختلف.
في البحث العلمي، تأخذ سنوات لتختبر فرضية. في الصفقة، تأخذ أسابيع. في البحث، النتيجة ورقة منشورة. في الصفقة، النتيجة أرض تحوّلت إلى مشروع وأشخاص حقيقيون تأثرت حياتهم. الجوهر واحد، الإيقاع مختلف.
الخطأ الذي وقعت فيه
بعد عودتي إلى السعودية في ٢٠٢٠، حاولت أن أفصل بين الجانبين. الجامعة في صباحي، العقار في مسائي. الطب في صندوق، التطوير في صندوق آخر. ظننت أن هذا التقسيم يحميني.
كنت مخطئاً.
في إحدى الصفقات، جلست مع مجموعة شركاء حول طاولة في الرياض. كان النقاش يدور حول مشروع بقيمة كبيرة، والأطراف كانت متوتّرة. أحد الشركاء بدأ يرفع صوته. آخر بدأ يتراجع. ثالث ينظر إلى الطاولة. في تلك اللحظة، لم أكن أرى صفقة عقارية. كنت أرى ما درسته لسنوات: ديناميكية ضغط، أنماط استجابة، إشارات تجنّب.
تكلّمت بهدوء، أوقفت النقاش، وأعدت توجيهه. بعد ساعة، خرجنا باتفاق.
في طريق العودة فهمت: الجانبان لا يجب أن يُفصلا. الجانبان يُكمّلان بعضهما.
ما تعلّمته
تعلّمت أن الخلفية العلمية في فهم السلوك ليست ترفاً أحمله إلى جانب عملي العقاري. هي أداة عمل يومية. تساعدني أن أقرأ المفاوضة قبل أن أدخلها، أن أفهم الشريك قبل أن أوقّع، أن أرى الشخص الذي يتردّد قبل أن يقول ذلك بنفسه.
وتعلّمت في الاتجاه الآخر شيئاً أهم: العمل الميداني في العقار جعلني باحثاً أفضل. فهمت أن النظرية بدون احتكاك بالواقع تبقى ناقصة. أصبحت حين أقرأ بحثاً في علم القرار، أقرأه وفي ذهني وجوه مستثمرين حقيقيين، لا حالات افتراضية.
لمن يعيش بين عالمين
إن كنت في موقع يجمع بين تخصصين تظنّهما متباعدين، توقّف عن محاولة الفصل. الفصل وهم. ما يبدو لك تشتّتاً قد يكون في الحقيقة ميزتك التي لا يملكها غيرك.
لم أعد أعتذر عن كوني طبيباً يعمل في العقار، ولا عن كوني مطوّراً يكتب أبحاثاً علمية. هذان ليسا جانبين متناقضين في حياتي. هذه طريقة تفكير واحدة، تظهر في مكانين.
كنت أظن أنني أريد أن أكون عالماً فقط. اكتشفت أنني أريد أن أكون شخصاً يفكّر علمياً — أينما كنت، ومهما كان العمل.